علوم و تكنولوجيا

عالم جديد يتشكل

نبأبريس  : 09 فبراير 2017 - 11:17

يُواجِه العالم، في الآونة الأخيرة، جملةً من التحوُّلات التي تنبئ أننا أمام بدايات عالم جديد، في طور الانبثاق والتَّشَكُّل. لا تشمل التحوُّلات التي نروم إبرازها مجال العلاقات الدولية، والقواعد التي تخضع لها، بل إنها تنطبق أيضاً على مجال القيم، وعلى ظواهر المجتمع. وإذا كنا نؤمن بأن دينامية التَّعَوْلُم قد ساهمت وتساهم في درجات نشر (وتعميم) مظاهر تغيير كثيرة لحقت المجتمعات البشرية في العقود الأخيرة، فإن تداعيات ما حصل أدت إلى هيمنة طقوس المجتمع الاستهلاكي على جميع أَوْجُه الحياة، صانعةً عوالم تطغى فيها العناية بالمظاهر على حساب القيم والمبادئ السامية.

تزداد صعوبة فهم ما يجري اليوم في العالم من تحوُّلات وتعقّله، بحكم وتيرة التغيُّر التي أصبحت سمةً ملازمةً لمختلف الظواهر والوقائع الجارية في عالمنا. وقد ازداد الأمر تعقيداً، عندما تحوّلت اليقينيات في الفكر والإيديولوجيات في السياسة إلى سَيْلٍ جارفٍ من الجزيئات الْمُنْحَلَّة والإجراءات السريعة والمتناقضة، وقد أصبحت اليوم سمةً ملازمةً لأغلب المجتمعات، الأمر الذي وَلَّدَ تسوناميات عديدة في كوكبنا، من دون أن نملك القدرة على إدراك خطورتها، أو نباشر العمل القادر على بناء ما يَقِينَا شرورها.

نواصل معاينة كل ما يقع أمامنا وفوق رؤوسنا من كوارث، نُشاهد بعيون مفتوحة وأفواه فاغرة. لقد أصبحنا أمام عالمٍ لا يستطيع أحد الادِّعَاء بمعرفة تفاصيل ما يحصل فيه، عالمٍ بلغ سَيَلانه صورةً غير معهودة في التاريخ، تشهد على ذلك مظاهر التحوُّل الاقتصادي والمالي، وتؤكِّده مظاهر التحوُّل الاجتماعي والثقافي، وينعكس كل ما ذكرنا على كثير من مظاهر التحوُّل السياسي، وعلى آليات الممارسة الديمقراطية ونتائجها، وبصورة تفوق ما عهدناه في العقود الأخيرة من القرن الماضي.

نعيش اليوم في عالم أصبح فيه للتقنية وأدواتها دور مركزي في حياتنا، وفي أنماط تفاعُلِنا مع ما يجري أمامنا من وقائع وأحداث، سواء في عالم الواقع أو في العوالم الافتراضية، وقد أصبحت الأخيرة تستوعب فضاءاتٍ لا حصر لها. إن الطابع المركَّب والمعقَّد الذي أصبح عليه الوضع في العالم، والمتمثِّل في اختلاط ظواهر عالمنا بموجات العالم الأزرق ومتاهاته ضاعف مآزقنا وحيرتنا.

لنقف مثلاً أمام ظواهر من قَبِيل عجز الغرب عن التحكُّم في نمط التغيُّر الذي لحق السياسة الدولية، حيث تتسارع وتيرة صعود القوى الجديدة، مثل الصين والهند، وهي تتجه إلى البحث عن مكان مناسب لحضورها في عالم متغيِّر. كما تتسارع وتيرة العودة القوية لروسيا في المشرق العربي وأوروبا، وهي عودة كاشفة عن تراجُع الهيمنة الغربية.

يمكن أن نُواصِل تقديم أمثلةٍ عديدة على الارتباك الحاصل في العلاقات الدولية، ذلك أنه لم يعد بإمكان الملاحظين توقُّع ولا ضبط مختلف نتائج وأبعاد بُؤَر الصراع المشتعلة في مناطق عديدة. ويمكن أن نضيف إلى ذلك معطياتٍ تشير إلى انتصار الشعبوية في السياسة، حيث تنتعش خطابات الهوية والعداء للآخرين في بلدان أوروبية كثيرة، الأمر الذي يفضي إلى تشكُّل مواقع جديدة للتوتُّر في العالم.

وضمن الأفق نفسه، يمكن أن نشير إلى التداعيات المحتملة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كما يمكن أن نتساءل عن حدود التظاهرات الجارية ضد خيارات الرئيس دونالد ترامب في الشارع الأميركي؟ ويمكننا إضافة إلى ذلك أن نقترب من ظواهر العنف الطائفي والتمييز العنصري، وقد عادت لتملأ مجتمعاتنا بكثير من التراجع عن قيم الحداثة والتحديث.

ولو توقَّفنا أمام المشهد السياسي العربي، لتبيَّنَّا أن المشرق العربي يتحول شيئاً فشيئاً إلى مختبر لبناء ديناميات جديدة في العلاقات الدولية، حيث يتم التنافس بين قوى إقليمية ودولية كثيرة،

لترتيب مواقف وخيارات ومواقع، والإشارة هنا إلى مواقف كل من روسيا وتركيا وإيران ودول الاتحاد الأوروبي وأميركا؛ وفي مقابل ذلك، نجد أن العرب اختاروا وبدون استثناء، السيولة والتمدُّد بجوار عالمٍ تخترقه أوبئة فتَّاكَة، عالم أصبح في حاجة في الآونة الأخيرة إلى قليلٍ من السُّمْك والصَّلابة.

نتبيَّن، في الأمثلة التي ذكرنا، عناصر تحوُّل كثيرة تؤشر إلى متغيرات أخرى قادمة. أصبحنا نواجه سُيُولاً من المواقف والأحداث في أمكنة عديدة، وأصبحت العلاقات الدولية مُوَجَّهَة بمبادراتٍ متحرّكة ومتناقضة. لقد أصبح الصَّلْب سائلاً، وتحوَّلت المبادئ والقواعد إلى مجرد إجراءاتٍ تساعد على التحوُّل، ولا تُمَكِّن من الترتيب والبناء. فكيف نعود إلى بناء عالمٍ يتمتع بِحَدٍّ أدنى من الصَّلابَة الْمُسَاعِدَة على التركيب والتقعيد؟ كيف نقترب من عالمٍ في طول التَّشَكُّل؟ -

 

كمال عبد اللطيف

 

أضف تعليق

كود امني
تحديث

آراء

إستطلاع الرأي