علوم و تكنولوجيا

اغتيال الفلسفة في درس التربية الإسلامية

نبأبريس : 07 دجنبر 2016 -  12:00

في مستوى الجذع المشترك من التعليم الثانوي التأهيلي، يدرس التلاميذ نصا لابن رشد يجيب فيه عن سؤال العلاقة بين الفلسفة والدين من خلال التأكيد على أن الشرع يدعو إلى استخدام العقل، والفلسفة إعمال للعقل وتأمل في الموجودات للوصول إلى معرفة الصانع ( الله)، لذلك ينتهي فيلسوف المغرب والأندلس إلى القول بأن: " الحق لايضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له.". وهذا يعني أن العلاقة بينهما تتسم بالتوافق والإنسجام لا بالتعارض والتضاد...

نفس التلاميذ سيكونون في السنة الموالية -عندما يبلغون مستوى الأولى باكلوريا- على موعد مع درس في مادة التربية الإسلامية ينسف موقف ابن رشد هذا، ويطعن في الفلسفة بوضوح.

في كتاب "منار التربية الإسلامية" الموجه لتلاميذ السنة الأولى من الباكلوريا، يتضمن البرنامج الجديد درسا في مكون العقيدة تحت عنوان: " الإيمان والفلسفة". وسطر المؤلفون في بداية الدرس ( ص: 80) ما سموه ب" الأهداف التعليمية" التالية:

-أتعرف أبعاد قضية الإيمان والفلسفة.

-أدرك أوجه التعارض والإختلاف بين الإيمان والفلسفة.

-أستخدم نعمة العقل لترسيخ إيماني واقتناعي بصدق رسالة الإسلام ونبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وواضح من خلال هذه الأهداف المعلنة أن الدرس يسعى إلى إقناع المتعلم بأن الفلسفة تعارض الدين، ومن تم فإن الخلفية الفكرية المؤسسة لهذا الموقف هي الخلفية ذاتها التي أسست لتهمة : "من تفلسف تزندق"، والتي يبدو أنها راسخة في الثقافة الإجتماعية السائدة. وبهذا المعنى فإن هذا الدرس يكرس الشك والخوف والحذر من الفلسفة لدى الناشئة، ويلغي لدى المتعلم القدرة على التفكير النقدي واستخدام العقل.

يبدأ الدرس المذكور بنص للإنطلاق يتناول فيه صاحبه إشارة سريعة إلى آراء بعض الفلاسفة ( دون أن يذكر أسماء بعينها) في المراحل التي مرت منها البشرية، وخصوصا في ما يتعلق بالمرحلة الدينية التي بدأت بالوثنية، ثم تعدد الآلهة، وانتهت إلى التوحيد. و ينتقل إلى إشارة سريعة أيضالما أخبرنا به القرآن الكريم عن تاريخ البشرية التي بدأت مع آدم الذي كان نبيا ولم يكن وثنيا...وينتهي النص بالسؤال التالي:

لماذا يختلف الفلاسفة مع المتدينين في هذه القضايا وفي غيرها؟.

صيغة السؤال تكشف بوضوح أن واضعي الكتاب يضعون الفلسفة كنقيض للدين. وهنا ينبغي أن نتوقف عند ملاحظة أساسية تتعلق بلفظ: " المتدينين". فقد أخذ المؤلفون في الإعتبار النقاش المرتبط بالتربية الدينية والتسامح والتكامل بين الأديان، لذلك جاء السؤال بهذه الطريقة، ولم يطرح بصيغة: لماذا يختلف الفلاسفة مع المسلمين...؟. لكن عقلية التكفير ورفض الإختلاف حاضرة في الموضوع ولو على مستوى لاشعوري من خلال طريقة صياغة السؤال المذكور في الكتاب المدرسي. ذلك أن طرح السؤال بهذه الطريقة يجعل الفلاسفة خارج كل الأديان، وهو ما قد يفهم منه المتعلم أن الفلسفة تعني الإلحاد.

في تفاصيل الدرس (ص: 81) وظف المؤلفون نصا لابن تيمية من كتابه: "درء التعارض بين العقل والنقل"، وفيه يتعزز الهدف الذي تم تحديده في بداية الدرس، لأن الداعي إلى إقحام النص هناهو إقناع التلميذ بأن الفلسفة بماهي فكر عقلي خالص تتعارض مع الدين الذي تتأسس الحقيقة فيه على النقل وليس العقل. ولأن ابن تيمية يقطع ب" بطلان العقل المخالف للسمع"، فإن تلقين هذا الموقف للتلميذ يجعله في حيرة من أمره، ويرسخ لديه التصور السلبي الذي يحمله المجتمع عن الفلسفة، بل إنه يحجم عن استخدام عقله حتى لا يقع في المحظور.

هذا الإنطباع يتعزز أكثر عندما يدرك المتعلم أن صاحب النص يعرف ب " شيخ الإسلام". وقد اختار واضعو الكتاب الإشارة إلى هذه الصفة مقرونة باسم: ابن تيمية حتى يقدم للتلميذ كحجة ومرجع، لأنهم يعرفون أن المتعلم لا يمكنه أن يناقش أو يتساءل أو يعارض موقفا صادرا عن شخصية فقهية ذات مكانة كبيرة. والأخطر من ذلك أن كثيرا من فتاوى "شيخ الإسلام" هذا الذي يحتج به الكتاب المدرسي تقدم الإطار النظري وتمنح الشرعية الدينية للجماعات التكفيرية والإرهابية التي تسيئ للإسلام والمسلمين.

في مقدمة "منار التربية الإسلامية" (ص:2) يتوجه المؤلفون إلى المتعلم(ة)، ويحددون مجموعة من الأهداف التي يسعى البرنامج الدراسي للمادة إلى تحقيقها. نقرأ في هذا السياق ما يلي:
"- تنمية كفاياتك التربوية وتطويرها، وتربيتك على الإختيار، واعتبار المدرسة والمؤسسة فضاء حقيقيا لترسيخها.

-امتلاك رصيد معرفي في مجالات العلوم الشرعية، واللغوية، والأدبية، والعلوم الإنسانية، والثقافة الحقوقية...".
فكيف يمكن تنمية القدرة على الإختيارعند التلميذ إذا كانت المضامين التعليمية تسعى إلى الحجر على عقله؟.وماذا يعني السعي إلى تنويع مصادر المعرفة لدى التلميذ بدون الإنفتاح على مختلف ميادين الفكر الإنسانيوتشجيع الحوار والنقد البناء؟. لنقرأ في هذا السياق مقطعا من درس " الإيمان والفلسفة" كما ورد في الكتاب المدرسي( ص: 82) في النشاط التعلمي: أحصل وأكتسب:
" يطرح كل إنسان أسئلة ذات طابع فلسفي وجودي دون أن يدري: من أنا؟ من خلقني؟ ومن خلق الكون؟ لماذا خلقني؟ ما المطلوبمني؟ ما مصيري؟ هل أنا مسير أم مخير؟ وما معنى حياتي؟ ما الغاية من الحياة؟ ما معنى الموت؟ ما الحقيقة؟.... يوجد أمام الإنسان مرجعان ممكنان لأخذ الإجابة:

أولهما:هو الإسلام ونقصد به هنا الرسالات التي أنزلها الله تعالى إلى البشر من لدن آدم عليه السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم...

ثانيهما:هو إنتاج الفكر الإنساني المخالف لما جاء به الإسلام. وهذا الإنتاج له أشكال وأسماء كثيرة منها الفلسفة...".

لا نحتاج لكثير من الجهد لنستنتج أن هذه الفقرة تحمل صك اتهام واضح للفلسفة باعتبارها فكرا إنسانيا يقدم للتلميذ في هذا الدرس على أنه مخالف للإسلام. وإن حاول المؤلفون التخفيف من وطأة الهجوم عندما يحثون التلميذ، في نهاية النشاط التعلمي المعنون ب: أوظف تعلماتي، على تدبير الإختلاف مع الآخر، وجعله إيجابيا في الحياة للحفاظ على حبل التواصل بينهما. لكن الشروط المؤسسة لهذا التواصل المنشود لا وجود لها في مضامين الدرس الذي سعى تصميمه إلى جعل التلميذ يحتفظ في مكتسباته بأن الفلسفة تعارض الدين. فكيف سيكون موقف التلميذ من درس الفلسفة بعد كل هذا؟. وكيف سينظر إلى مدرس الفلسفة؟ وما الصورة النمطية التي سيكونها عن الفلاسفة عموما؟. ألا تنطوي هذه النوعية من الدروس على طعن صريح في الفلسفة ينبغي على القائمين على الشأن التربوي الإنتباه إليه وتصحيحه؟. ثم إن الطريقة التي تم بها تقديم هذا الدرس في الكتاب المدرسي تتنافى مع مطلب التفاعل والتكامل بين المواد الدراسية المقررة في الثانوي التأهيلي كما تنص على ذلك التوجيهات التربوية.

من البين إذن ان المرجعية المؤسسة لهذا الموقف السلبي من الفلسفة والفلاسفة مازالت حية بيننا، وهي عندما تتوجه بهذا الخطاب الإقصائي إلى الناشئة، إنما تعيد إنتاج نفس المواقف التي تبلورت داخل الثقافة الإسلامية في اللحظة التي انتصر فيها السمع على العقل.

محمد مغوتي. 06 دجنبر 2016.

أضف تعليق

كود امني
تحديث

آراء

إستطلاع الرأي